ابن سبعين

406

رسائل ابن سبعين

ويذكر عقبه ذكر التوبة والكلام عليها ، فإنها نعمة عامة ، وموضوع العاقبة ومحمولها في العبد الفاجر المذنب ، فنبدأ بعد قولي ، وباللّه التوفيق ، فنقول : التوبة تطلق على أنحاء ، وهي وظيفة شرعية ، والكل مطلوب بها ، ولا يحملها أحد عن أحد ، وهي الندم على المعصية لأجل ما يجب له الندم ، والعرب تقول : تاب وأناب وآب بمعنى رجع ، وإذا أضيفت التوبة إلى المكلف أريد بها رجوعه عن فعله القبيح إلى الندم عليه ، وإذا أضيفت التوبة إلى أفعال اللّه تعالى ، فالمراد بها رجوع نعمه وآلائه وأياديه إلى عباده التائبين ، والذي يريد الشرع منها ثبوت مفهومها اللغوي ، ومتعلق حكمها الشرعي ، والتوبة الشرعية هي اللغوية بجهة ، وهي غيرها بأخرى ، فلا كل من رجع يسمى تائبا شرعا ، ولا كل من ندم خرج عن فعله القبيح ، ودخل في الحسن يحمل عليه الإطلاق أنه رجع . والمقصود المطلوب الذي يحرر التوبة الشرعية ، ويحقق فيها مفهوم اللغة : هو رجوع التائب بأمر يحركه إلى رجوعه ويخوفه ويرجيه بوعد ووعيد ، ويترك ما كان عليه من أجل ما أمر به ، ولأجل ما هو تارك له ، ويرجع إلى ما هو معين عليه ، وينتقل من الذي نهي عنه ؛ ولذلك لا يقال في الذي يترك شرب الخمر من أجل الناس أو أجل جسمه والاحتياط على عقله : تائب شرعا ، وإن كان مؤمنا أو كافرا ، فاعلم . فإذا التوبة واحدة بالقول ، كثيرة بالموضوع ، والأسماء تؤخذ من اللغة والقياس والشرع والعرف ، واسم التوبة الشرعية مجموع الأربعة ، وصيغتها يشترك فيها مدلولها ومفهومها ، وجملة أمرها يحمل عليها بالذات إذا فصلت ، وبالعرض إذا صرفت ، وهي بالجملة راجعة إليها ، وانظر إلى المؤمن إذا تاب عن قبيح ، ورجع منه إلى ضده ، ثم انظر إلى الكافر الذي يكف عن قبيح ما ويخرج عنه ، ويرجع إلى ضده نحو التوبة في هذا صحيحة من الجهتين ، وفي هذا من جهة واحدة ، وهو الرجوع المعروف في أصل اللغة خاصة ، فقد صح العرف ولما لم تقبل التوبة من المؤمن إلا بعد الأمر والنهي والوقوف على خبر الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم صح وجود القياس ، فإن العرف يخبر عنه ، ولم يحمل عليه ، ووقف على شرط واحد ، وهو القصد الشرعي ، ويخبر عن الكافر ، ولم يحمل عليه ، ووقف على شرط متقدم ، وهو الذي لا تصح الطاعات إلا به ، وهو الإيمان ، وهو شرط الحق ، وهو الذي لا تكمل الطاعات إلا به ، وهو الفرض ومراعاته . وإن كان هذا قد دخل تحت الطلب ، وهذا كذلك ، وهذا قد قام به الشرط الأول ، وهو الذي لا يدخل تحت مقدور العبد ، ولا يمكن أن يكلف إلا بوجوده ، وهو الذي إذا